الشنقيطي

272

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المثل ليبدّل منه مثله ؟ وأيّ مزية للمثل على المثل حتى ينسخ ويبدل منه ؟ والجواب عن الإشكال الأول - هو أنّ الخيرية تارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر ، وذلك فيما إذا كان الأجر كثيرا جدا والامتثال غير شديد الصعوبة ، كنسخ التخيير بين الإطعام والصوم بإيجاب الصوم ؛ فإن في الصوم أجرا كثيرا كما في الحديث القدسي « إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » « 1 » ، والصائمون من خيار الصابرين ؛ لأنهم صبروا للّه عن شهوة بطونهم وفروجهم ؛ واللّه يقول : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 10 ) [ الزمر : 10 ] ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنّة لعدم القدرة على الامتثال ، وإنّ عرض ما يقتضي ذلك كمرض أو سفر ؛ فالتسهيل برخصة الإفطار منصوص بقوله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] . وتارة تكون الخيرية في الأخف ، وذلك فيما إذا كان الأثقل المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال ؛ فإن الأخف يكون خيرا منه ، لأن مظنة عدم الامتثال تعرض المكلف للوقوع فيما لا يرضى اللّه ، وذلك كقوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [ البقرة : 284 ] فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعبا جدا ، شاقا على النفوس ، لا يكاد يسلم من الإخلال به ، إلى من سلّمه اللّه تعالى - فلا شك أن نسخ ذلك بقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق ، وهكذا . والجواب عن الإشكال الثاني - هو أنّ قوله أَوْ مِثْلِها [ البقرة : 106 ] يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما ؛ فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون يها خيرا من المنسوخ ، فيكون باعتبار ذاته مماثلا للمنسوخ ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لا توجد في المنسوخ خيرا من المنسوخ . وإيضاحه - أنّ عامة المفسرين يمثلون لقوله أَوْ مِثْلِها بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت اللّه الحرام ؛ فإنّ هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتيهما متماثلان ؛ لأن كل واحد منهما جهة من الجهات ، وهي في حقيقة أنفسها متساوية ، فلا ينافي أن يكون الناسخ مشتملا على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيرا من المنسوخ بذلك الاعتبار . فإنّ استقبال بيت اللّه الحرام تلزمه نتائج متعددة مشار لها في القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس ، منها - أنه يسقط به احتجاج كفار مكة على النبي صلى اللّه عليه وسلم بقولهم : تزعم أنّك على ملّة إبراهيم ولا تستقبل قبلته ! وتسقط به حجّة اليهود بقولهم : تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا ، وقبلتنا من ديننا ! وتسقط به أيضا حجّة علماء اليهود فإنّهم عندهم في التوراة : أنه صلى اللّه عليه وسلم سوف يؤمر باستقبال بيت المقدس ، ثم يؤمر بالتّحوّل عنه إلى استقبال بيت اللّه الحرام . فلو لم

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الصوم حديث 1904 ، ومسلم في الصيام حديث 163 .